حبيب الله الهاشمي الخوئي
14
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة
في الكافي عن محمّد بن أبي عبد اللَّه ، رفعه إلى أبي هاشم الجعفري ، قال : كنت عند أبي جعفر الثاني عليه السّلام فسأله رجل فقال : أخبرني عن الرّب تبارك وتعالى له أسماء وصفات في كتابه إلى أن قال : فقال الرّجل : فكيف سمّينا ربّنا سميعا فقال : لأنّه لا يخفى عليه ما يدرك بالاسماع ولم نصفه بالسّمع المعقول في الرّأس ، وكذلك سمّيناه بصيرا لانّه لا يخفى عليه ما يدرك بالابصار من لون أو شخص أو غير ذلك ولم نصفه بصر لحظة العين ، وكذلك سمّيناه لطيفا لعلمه بالشّيء اللطيف مثل البعوضة وأخفى من ذلك وموضع النّشو منها والعقل والشّهوة للسفاد والجذب على نسلها واقام بعضها على بعض ونقلها الطعام والشّراب إلى أولادها في الجبال والمفاوز والأودية والقفار . قال بعض شارحي الحديث يعنى أنّه يعلم أعضاء البعوضة كالجناح والرّجل والعين ، وقواها كالسّمع والبصر ، وأحوالها كالادراك والإرادة والشّهوة والمحبّة والشّفقة والألفة والغضب والنّفرة والعداوة ، وأفعالها كالحركة والسّكون والسفاد ونقل الطعام والشّراب إلى الأولاد وغير ذلك من أمورها كموتها وحياتها ونفعها وضرّها وآجالها ومقادير أعمارها ، وأرزاقها وغيرها من لطايف صنعه ودقايق خلقه ، فهو تعالى لطيف لعلمه بلطايف الأمور . ( و ) العاشرة أنّ ( كلّ ظاهر غيره غير باطن وكلّ باطن غيره غير ظاهر ) يعنى أنّ من الممكنات ما هو ظاهر جلىّ لا يتّصف بالبطون والخفاء كالشّمس والقمر ونحوهما ومنها ما هو باطن خفيّ لا يتّصف بالظهور والجلاء كالهيولى والعدم وما تحت الثرى ، وأمّا اللَّه الحيّ القيّوم العظيم الشّأن فهو متّصف بالظهور والبطون معا ، فهو في كمال ظهوره باطن وفي غاية بطونه ظاهر ، بل هو أجلى الأشياء وأظهرها ، ومنتهى ظهوره صار سببا لخفائه . وتحقيق ذلك على ما حقّقه صدر المتألهين وأو ضحه بالمثال تقريبا للأفهام وتشحيذا للأذهان هو : إنّا إذا رأينا إنسانا يكتب أو يخيط كان كونه حيّا عالما قادرا مريدا عندنا من أظهر الأشياء ، وهذه الصّفات أجلى عندنا من ساير صفاته